لسان الدين ابن الخطيب
169
الإحاطة في أخبار غرناطة
ألم يعلموا أنّ اغترابي حرامة * وأن ارتحالي عن دارهم هو البخت ؟ نعم لست أرضى عن زماني أو أرى * تهادي السفن المواخر والبخت لقد سئمت نفسي المقام ببلدة * بها العيشة النّكراء والمكسب السّحت يذلّ بها الحرّ الشريف لعبده * ويجفوه بين السّمت من سنة ستّ إذا اصطافها المرء اشتكى من سمومها * أذى ويرى فيه أدّا يبتّ ولست كقوم في تعصبّهم عتوا * يقولون بغداد لغرناطة أخت رغبت بنفسي أن أساكن معشرا * مقالهم زور وودّهم مقت يدسّون في لين الكلام دواهيا * هي السّمّ بالآل المشود لها لتّ فلا درّ درّ القوم إلّا عصيبة * إليّ بإخلاص المودّة قد متّوا وآثرت أقواما حمدت جوارهم * مقالهم صدق وودّهم بحت لهم عن عيان الفاحشات إذا بدت * تعام وعن ما ليس يعينهم صمت فما ألفوا لهوا ولا عرفوا خنى * ولا علموا أنّ الكروم لها بنت به كل مرتاح إلى الضّيف والوغى * إذا ما أتاه منهما النبأ البغت وأشعث ذي طمرين أغناه زهده * فلم يتشوّف للذي ضمّه التّخت صبور على الإيذاء بغيض على العدا * معين على ما يتّقي جأشه الشّتّ « 1 » ولي صاحب مثلي يمان جعلته * جليسي نهارا أو ضجيعي إذا بتّ وأجرد جرّار الأعنّة فارح * كميت وخير الخيل قدّاحها الكمت تسامت به الأعراق في آل أعوج * ولا عوج في الخلق منه ولا أمت وحسبي لعضّات النوائب منجدا * عليها الكميت الهند والصّارم الصّلت قطعت زماني خبرة وبلوته * فبالغدر والتّخفيف عندي له نعت ومارست أبناء الزمان مباحثا * فأصبح حبلي منهم وهو منبتّ وذي صلف يمشي الهوينا ترفّقا * على نفسه كيلا يزايلها السّمت إذا غبت فهو المروة القوم عندهم * له الصّدر من ناديهم وله الدّست وإن ضمّني يوما وإياه مشهد * هو المعجم السّكيت والعمّة الشّخت فحسبي عداتي أن طويت مآربي * على عزمهم حتى صفا لهم الوقت وقلت لدنياهم إذا شئت فاغربي * وكنت متى أعزم فقلبي هو البتّ وأغضيت عن زلّاتهم غير عاجز * فماذا الذي يبغونه لهم الكبت ؟
--> ( 1 ) الشّتّ : المتفرّق . محيط المحيط ( شتت ) .